الآلوسي

118

تفسير الآلوسي

والظاهر المؤيد بالآثار أنه تعالى جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء . أخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه قال في الآية : أسال الله تعالى له القطر ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل : إلى أين ؟ قال : لا أدري . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : سيلت له عين من نحاس ثلاثة أيام ، وفي " البحر " عن ابن عباس . والسدي . ومجاهد قالوا : أجريت له عليه السلام ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن ، وفي رواية عن مجاهد أن النحاس سال من صنعاء وقيل : كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام . * ( وَمنَ الجنِّ مَن يَعمَلُ بَينَ يَدَيْه ) * يحتمل أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف هو خبر مقدم و * ( من ) * في محل رفع مبتدأ ويحتمل أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً مقدماً من * ( من ) * وهي في محل نصب عطف على * ( الريح ) * وجوز أن يكون * ( من الجن ) * عطفاً على الريح على أن من للتبعيض و * ( من يعمل ) * بدل منه وهو تكلف و * ( يعمل ) * إما منزل منزلة اللازم أو مفعوله مقدر يفسره ما سيأتي إن شاء الله تعالى ليكون تفصيلاً بعد الإجمال وهو أوقع في النفس * ( بإذْن رَبِّه ) * بأمره عز وجل * ( وَمَن يَزع منهمُ عَن أَمرنَا ) * أي ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان عليه السلام . وقرئ * ( يزغ ) * بضم الياء من أزاغ مبنياً للفاعل ومفعوله محذوف أي من يمل ويصرف نفسه أو غيره ، وقيل مبنياً للمفعول فلا يحتاج إلى تقدير مفعول * ( نُذقهُ من عَذَاب السَّعير ) * أي عذاب النار في الآخرة كما قال أكثر المفسرين وروي ذلك عن ابن عباس ، وقال بعضهم : المراد تعذيبه في الدنيا . روي عن السدي أنه عليه السلام كان معه ملك بيده سوط من نار كل ما استعصى عليه جنى ضربه من حيث لا يراه الجني . وفي بعض الروايات أنه كان يحرق من يخالفه ، واحتراق الجني مع أنه مخلوق من النار غير منكر فإنه عندنا ليس ناراً محضة وإنما النار أغلب العناصر فيه . * ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَ الْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ) * . * ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ من مَّحَاريبَ ) * جمع محراب وهو كما قال عطية القصر ، وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته ، فإن المحراب في الأصل من صيغ المبالغة اسم لمن يكثر الحرب وليس منقولاً من اسم الآلة وإن جوزه بعضهم ، ولابن حيوس : جمع الشجاعة والخشوع لربه * ما أحسن المحراب في محرابه ويطلق على المكان المعروف الذي يقف بحذائه الإمام ، وهو مما أحدث في المساجد ولم يكن في الصدر الأول كما قال السيوطي وألف في ذلك رسالة ولذا كره الفقهاء الوقوف في داخله . وقال ابن زيد : المحاريب المساكن ، وقيل ما يصعد إليه بالدرج كالغرف ، وقال مجاهد : هي المساجد سميت باسم بعضها تجوزاً على ماق يل ، وهو مبني على أن المحراب اسم لحجرة في المسجد يعبد الله تعالى فيها أو لموقف الإمام . وأخرج ابن المنذر . وغيره عن قتادة تفسيرها بالقصور والمساجد معاً ، وجملة * ( يعملون له ما يشاء ) * استئناف لتفصيل ما ذكر من عملهم ، وجوز كونها حالاً وهو كما ترى * ( وَتَمَاثيلَ ) * قال الضحاك : كانت صور حيوانات ، وقال الزمخشري : صور الملائكة والأنبياء والصلحاء كانت تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وكان اتخاذ الصور في ذلك الشرع جائزاً كما قال الضحاك وأبو العالية . وأخرج الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " عن ابن عباس أنه قال في الآية اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من نحاس فقال : يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فينفخ الله تعالى فيها الروح فكانت تخدمه